المرسل

تعريفه:
المرسل: لغة مأخوذ من الإرسال بمعنى الإطلاق وعدم المنع، ومنه قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} 1 أي سلَّطناهم عليهم، ولم نمنعهم منهم، ويقال: أرسلت الطائر إذا أطلقته وأرسلت الكلام إذا أطلقته من غير تقييده, فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براوٍ مخصوص معروف.
وأما في الاصطلاح فقد اختلفت في تعريفه أنظار العلماء, وإليك أقوالهم في هذا:
تعريف جمهور المحدثين: هو ما رواه التابعي, سواء أكان كبيرا أم صغيرا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من قوله أو فعله أو تقريره، ولا بد من قيد ذكره الحافظ ابن حجر, وهو أن يكون التابعي سمعه من غير النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن سمعه من النبي حال كفره, ثم أسلم بعد ذلك ورفع الحديث فإن حديثه يكون متصلا لا مرسلا كالتنوحي رسول هرقل فقد أخرج حديثه الإمام أحمد وأبو يعلى في مسنديهما، وساقاه مساق الأحاديث المسندة.
والمراد بالتابعي الكبير من لقي كثيرا من الصحابة وجالسهم وكانت جل روايته عنهم كسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عدي بن الخيار، وقيس بن أبي حازم, وأمثالهم.
والصغير: هو من لم يلق من الصحابة إلا العدد اليسير أو لقي جماعة ولكن جل روايته عن التابعين كالزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبي حازم، وأمثالهم.
ومن رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو غير مميز كمحمد بن أبي بكر الصديق, فإنه صحابي, ولكن روايته حكم المرسل لا الموصول، ولا يجيء فيه ما قيل فيه مراسيل الصحابة؛ لأن أكثر رواية هذا وشبهه عن التابعين بخلاف
__________
1 سورة مريم: 83.

الصحابي الذي أدرك, وسمع فإن احتمال روايته عن التابعي بعيدة جدا.
وبعض المحدثين يقصر المرسل على ما رواه التابعي الكبير عن رسول الله وأما ما رواه التابعي الصغير فيسمونه منقطعا لا مرسلا, والأول هو الراجح وعليه معول أهل هذا الفن.
مثال المرسل: روى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا 1 عن الصلاة" , وعطاء من التابعين.
روى يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من أكل من هذه الشجرة فلا يقرب مسجدنا يؤذينا بريح الثوم" , وسعيد من التابعين.
تعريف الفقهاء والأصوليين: المرسل: هو قول التابعي أو من دونه قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا ... أو فعل كذا ... مثلا, فالمرسل عندهم يشمل المرسل عند المحدثين, والمنقطع بل والمعضل فهو يطلقونه على ما لم يتصل إسناده، قال ابن الحاجب في مختصره: "المرسل قول غير الصحابي: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم" ... وبمثل هذا القول قال الخطيب من المحدثين إلا أنه قال: إن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي -صلى الله عليه وسلم.
نقد التعريف: وقد انتقد هذا التعريف: بأنه يشمل قول من قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإن كان في عصرنا, وهو ما لم يقل به أحد، وبأنه يلزم عليه دخول المنقطع، والمعضل في المرسل, وأهل الفن في الحديث على التفرقة بينهما. نعم قد يقال: هذا اصطلاح لهم بخاصة ولا مشاحة في الاصطلاح.
وقد جرى على هذا الاصطلاح بعض المحدثين فأطلق على المعلق،
__________
1 الإبراد: تأخير صلاة الظهر حتى تنكسر حدة الحر.
والمنقطع, إنه مرسل كالبيهقي، وأبي نعيم، والدارقطني، وعلى هذا مشى الإمام أبو داود صاحب "السنن" في كتابه "المراسيل".
"حكم المرسل عند المحدثين":
الذي ذهب إليه جمهور المحدثين أن المرسل من قبيل الحديث الضعيف للجهل بحال المحذوف؛ لأنه لا يتعين أن يكون التابعي رواه عن الصحابي, بل يجوز أن يكون رواه عن تابعي آخر, وهو يحتمل أن يكون ثقة أو غير ثقة، وعلى الأول يحتمل أن يكون رواه عن تابعي أو صحابي, وعلى الأول يحتمل أن يكون ثقة أو غير ثقة، وهكذا يتعدد هذا الاحتمال إما بالتجويز العقلي, فإلى ما لا نهاية، وإما بالاستقراء, فإلى ستة أو سبعة, وهو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض1, ومتى احتمل أن يكون المروي عنه ضعيفا, فقد سقط عن درجة الاحتجاج به. قال العلامة ابن الصلاح في مقدمته: "ثم إن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر, فوروده من وجه آخر يدل على صحة مخرج المرسل ... وما ذكرنا من سقوط الاحتجاج بالمرسل، والحكم بضعفه هو الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث، ونقاد الأثر وتداولوه في تصانيفهم وفي صدر صحيح مسلم "المرسل في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة".
وقد حكى هذا القول عن جماعة أهل الحديث ابن عبد البر حافظ المغرب2.
"حكم المرسل عند الفقهاء":
أما حكم المرسل عند الفقهاء فقد احتج به مالك وأبو حنيفة
__________
1 نخبة الفكر بشرحها للحافظ ابن حجر, وشرحها للقاري ص111.
2 علوم الحديث لابن الصلاح ص73 ط العاصمة.
وأصحابهما، وقد حكي عن الإمام أحمد الاحتجاج به في رواية1. قال في التدريب: "قال النووي في "شرح المهذب": وقيد ابن عبد البر وغيره ذلك بما إذا كان من أرسله لا يرسل عن غير الثقات, فإن كان, فلا خلاف في رده, وقال غيره: محل قبوله عند الحنفية ما إذا كان مرسله من أهل القرون الثلاثة الفاضلة, فإن كان من غيرهم, فلا؛ لحديث: "ثم يفشو الكذب" 2, رواه النسائي وصححه.
ونقل أبو بكر الرازي من الحنفية، وأبو الوليد الباجي من المالكية: أن الراوي إذا كان يرسل عن الثقات, وغيرهم: أن مرسله لا يقبل اتفاقا، وأما إذا لم يعلم حاله, فمرسله مقبول اتفاقا عند الحنفية والمالكية.
أقول: ولعل وجهة نظر هؤلاء تحسين الظن بالراوي, وأن الشأن فيه أن لا يروي إلا عن ثقة, وإذا كان الأمر كذلك عند الحنفية والمالكية على ما ذكره الرازي والباجي, فينبغي أن يقيد احتجاجهما به بذلك.
وقد حكى ابن جرير إجماع التابعين على قبول المرسل, وأنه لم يأت عن أحد منهم إنكاره, ولا عن أحد من الأئمة إلى رأس المائتين الذين هم من أهل القرون الفاضلة، المشهود لهم من المشرع صلوات الله وسلامه عليه بالخيرية.
وقد بالغ بعضهم فقواه على المسند3 معللا ذلك بأن من أسند فقد أحالك، ومن أرسل فقد تكفل لك4 وهو توجيه كما ترى!!
وأما الإمام الشافعي -رضي الله عنه- فقد احتج به بشروط،
__________
1 التدريب ص120.
2 المصدر السابق.
3 أي الذي ذكر له إسناد متصل.
4 أحالك: أي على البحث عن الرواة ومعرفة عدالتهم وضبطهم. تكفل لك: أي ضمن لك عدالتهم وضبطهم.
قال في كتابه "الرسالة": "إن مراسيل كبار التابعين حجة إن جاءت من وجه آخر ولو مرسلة، أو اعتضدت بقول صحابي، أو أكثر العلماء، أو كان المرسل لو سمي لا يسمى إلا ثقة, فحينئذ يكون مرسله حجة، ولا ينتهض إلى رتبة المتصل، وأما مراسيل غير كبار التابعين فلا أعلم أحدا قبلها".
وقد قيل: إن الإمام الشافعي لا يحتج بالمرسل إلا مراسيل سعيد بن المسيب؛ لأنه تتبعها فوجدها مسندة من وجوه أخر، وقد حقق الإمام النووي أن الإطلاق في النفي والإثبات غير صحيح, وأن الصحيح أنه يحتج بمراسيل سعيد بن المسيب وغيره إذا استكملت الشروط التي ذكرناها، وليس لابن المسيب ميزة في هذا إلا أنه أصح التابعين إرسالا, على أن في مراسيله ما لم يوجد مسندا بحال من وجه صحيح.
وقد اعتمد الإمام النووي في هذا على ما قاله إمامان جليلان1 حافظان فقيهان شافعيان متضلعان في الحديث والفقه والأصول والخبرة التامة بنصوص الشافعي ومعاني كلامه2.
ومما ينبغي أن يعلم أن بعض التابعين قد يرسل الحديث لكونه سمعه عن كثير من الصحابة, أو لغير ذلك من الأغراض, فإرسال مثل هذا لا يطعن في روايته المرسلة. روي عن الحسن البصري أنه قال: "إنما أطلقه -أي المرسل- إذ سمعته من سبعين من الصحابة", وكان يحذف اسم علي رضي الله عنه لخوف الفتنة.
"مرسل الصحابي":
هو ما يرويه صغار الصحابة وأحداثهم كابن عباس من قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو فعله، أو تقريره، ولم يسمعوه منه أو يشاهدوه.
__________
1 الإمامان الخطيب البغدادي، والبيهقي.
2 التدريب شرح التقريب ص67، 68 ط بولاق.
مثاله: حديث عائشة -رضي الله عنها- في بدء الوحي, رواه البخاري ومسلم وغيرهما؛ فعائشة -رضي الله عنها- لم تشهد القصة، ولم تكن ولدت حينئذ فهي إما أن تكون سمعت الحديث من النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك، أو يكون بعض الصحابة أخبرها به فيكون من مراسيل الصحابة، وعلى هذا الاحتمال الثاني يكون الاستدلال بالحديث.
"حكمه" أنه حجة عند المحدثين والفقهاء, وهو في حكم الموصول المسند؛ لأن أكثر روايتهم عن الصحابة1, والجهالة بالصحابة لا تضر؛ لأنهم كلهم عدول, ثم إن بعض العلماء ذكر أن الاحتجاج به موضع إجماع، وقد ذكر ابن الأثير وغيره في ذلك خلافا في الاحتجاج به عند الفقهاء، ويحكى عدم قبوله عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني لاحتمال تلقيه عن بعض التابعين.
وقد روى جماعة من الصحابة عن التابعين كابن عباس, وبقية العبادلة, فقد رووا عن كعب الأحبار بعض المرويات, ولكن فيما لا يتعلق بالحلال والحرام، وكعب من التابعين وقد صنف الخطيب وغيره في رواية الصحابة عن التابعين, فذكر جملة من الأحاديث, والحق أن روايات الصحابة عن التابعين قليلة نادرة، وأنها على قلتها ليست أحاديث مرفوعة، وإنما هو من الإسرائيليات، أو قصص وحكايات، أو موقوفا2.
__________
1 ذكر الغزالي في "المستصفي" أن عدة الأحاديث التي صرح ابن عباس بسماعها من النبي -صلى الله عليه وسلم- أربعة, وهو قول غريب عجيب، وقد قلده في مقالته من غير بحث جماعة، وقال محمد بن جعفر المعروف بغندر: إنها عشرة, وقال يحيى بن معين وأبو داود: إنها تسعة. وهو قول غير مقبول أيضا, وذكر بعض المتأخرين: إنها دون العشرين, لكنها من طرق صحاح, وقد اعتنى الحافظ ابن حجر بجميع الصحاح والحسان منها, فزادت عنده على الأربعين، وهذا سوى ما هو في حكم السماع كحكاية حضور فعل حدث بحضرة النبي -صلى الله عليه وسلم. "فتح الباري ج11، ص483" أقول: وهذا الذي وصل إليه الحافظ الكبير هو الحق ولا يلتفت لما سواه.
2 التدريب شرح التقريب ص

الوَسيط في عُلوم ومُصْطلح الحَديث
محمد بن محمد بن سويلم أبو شُهبة (المتوفى: 1403هـ)
إن تأليفي لهذا الكتاب يرجع إلى نحو ثلث قرن أو يزيد حينما كنت أقوم بتدريس الحديث الشريف وعلومه بكلية أصول الدين بالأزهر الشريف وقد كان في أول الأمر مباحث مكتوبة بخط يدي أمليها على الطلاب شيئًا فشيئًا ثم بدا لي أن أجمع هذه البحوث ولا زلت أهذبها وأنقحها وأقدم فيها وأؤخر وأزيد فيها وأعيد حتى جاءت على هذا الوضع الحسن المستطاب وقد جاء الكتاب خلاصات محررة لما يوجد في متفرقات كتب الفن من لدن الرامهرمزي إلى عصرنا هذا وقد مخضتها حتى استخرجت زبدها مع حسن التبويب والتنسيق وتيسير العسير وتقريب البعيد ومع حسن العبارة وطلاوتها وجمال العرض والأسلوب